محمد بن عبد المنعم الحميري
87
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
في حق صاحب سبتة ، واتصل ذلك بابن عباد ، فوجه من إشبيلية أسطولاً نحو صاحب سبتة ، فانتظمت في سلك يوسف ، ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات ، ثم انصرفت الىمرسلها . ثم عبر يوسف البحر عبوراً هنيئاً ، حتى أتى الجزيرة الخضراء ففتحوا له ، وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات ، وجعلوا سماطاً أقاموا فيه سوقاً ، جلبوا عليه من عندهم من سائر المرافق ، وأذنوا للغزاة في دخول البلد ، والتصرف فيها ، فامتلأت المساجد والرحبات بضعفاء المطوعين وتواصوا بهم خيراً . فلما عبر يوسف وجميع الجيوش ، انزعج إلى إشبيلية على أحسن الهيئات ، جيشاً بعد جيش ، وأميراً بعد أمير ، وقبيلاً بعد قبيل ؛ وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف ، وأمر عمار البلاد بجلب الأقوات والضيافات ، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه ، وتواردت الجيوش مع أمرائها في إشبيلية ، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارسٍ ووجوه أصحابه ، فأتى محلة يوسف فركض نحو القوم وركضوا نحوه ، فبرز إليه يوسف وحده ، والتقيا منفردين ، وتصافحا وتعانقا ، وأظهر كل واحدٍ منهما المودة والخلوص ، فشكرا نعم الله ، وتواصيا بالصبر والرحمة ، وبشرا نفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر ، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه ، مقرباً إليه وافترقا ؛ فعاد يوسف لمحلته ، ورجع ابن عباد إلى جهته ، ولحق بابن عباد ما كان أعده من هدايا وتحفٍ وألطافٍ ، وأوسع بها محلة ابن تاشفين . وباتوا تلك الليلة . فلما صلوا الصبح ركب الجميع ؛ وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم إلى إشبيلية ، ففعل ، ورأى الناس من عزة سلطانه ما سرهم ؛ ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من